آخر الأخبار
كتابات

جهاد كرم… حكاية جسر

  • جهاد كرم… حكاية جسر
تاريخ النشر : Thu, 12 Sep 2019 20:31:39 | عدد المشاهدات: 49

معن بشور قلائل هم الذين ترك تاريخهم والجغرافيا بصمات واضحة في حياتهم وخياراتهم وعلاقاتهم، كما كان الحال مع المناضل والسفير والكاتب والحقوقي الراحل جهاد جورج كرم… فمن الجبل الذي تتربع “حامات”-مسقط راسه- على احدى اجمل هضباته استمد جهاد صلابة المؤمن، فما هان ولا لان ولا تراجع عما كان يعتبره مبدأ له وحتى عقيدة… ومن البحر الواسع الذي تطل عليه “حامات” من أحلى مواقعه في خليج شكا، تميّز جهاد كرم بانفتاح رحب ليس على حضارات العالم فقط، بل ايضا على كل من اختلف معه في الفكر والرؤية والرأي… من بيت المحامي الكبير جورج كرم، الذي عرفه اللبنانيون مدافعاً في المحاكم عن حزبيين انتموا الى أفكار متعددة، من قوميين اجتماعيين الى بعثيين الى شيوعيين، اكتسب المحامي جهاد انحيازه الدائم للحق وحرصه الدائم على تفهم وجهة نظر الآخر مما كان بعيداً عنها وعنه… من هنا لا يمكن اختزال شخصية غنية بالثقافة، والشهامة، والطيبة ،والوفاء، والصدق ،والانفتاح كشخصية جهاد كرم إلا بكلمة “الجسر” الذي أصر جهاد ان يشيده في كل علاقاته حريصاً على احترام رأي الآخر حرصه على تمسكه بقناعاته ومبادئه…. لذلك كان بين رفاقه البعثيين، في عز انقساماتهم وخلافاتهم، ذلك الجسر الحريص على بذل مساعي الخير للجمع بينهم، فإاذا لم يوفق في تجاوز الانقسام، وهو أمر يتجاوز قدرته، كان يسعى الى تخفيف أضراره وتداعياته الجانبية التي كثيرا ما كانت تفوق في خسائرها الانقسام نفسه… ولذلك كان بين أبناء التيار القومي والتقدمي الواسع داعية تلاق رغم الخلافات والصراعات، متمسكاً بالوحدة رغم الأخطاء والثغرات.مدركا أن الانفصال، كما الانعزال ،لا يمكن أن يكون حلا، واعيا الى أن في التعصب من الرذائل ما يفوق مؤامرات الاعداء، وان في التزمت والانغلاق من المخاطر ما يزيد عما يحاك للأمة من مخططات…. ولذلك كان يجمع في حياته بين ذلك الانسان العاشق للحياة بمباهجها وبريقها بقدر ما كان مستعداً لمواجهة شتى المخاطر اذا كانت قضيته في خطر ووطنه مهدداً بالضياع… بل لذلك أيضاً، حين كان وهو ابن جبل لبنان سفيراً للعراق في البرازيل والهند وغويانا وممثلاً له في دورات هيئة الأمم المتحدة، كان سفيراً للأمة العربية كلها، وخصوصاً لفلسطين التي يعتز جهاد بالطريقة التي رحب به فيها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات(رحمه الله) بعد ان القى كلمته الشهيرة في الأمم المتحدة عام 1974، حيث هجم عليه ابو عمار، الذي عرف جهاد منذ الأيام الأولى لانطلاقة الثورة، وحمله بين يديه كما الأطفال، فرحاً في ملاقاته في هيئة الأمم بعد ان لاقاه في ميادين الدفاع عن ثورة فلسطين يوم كان الدفاع عنها، وما زال، مكلفاً على غير صعيد…. ورغم صداقاته بكبار الزعماء والمسؤولين العرب والاجانب، حافظ جهاد على تواضع جم هو تعبير عن ثقة حقيقية بالنفس، وعن ادراك ان الرجال لا يعرفهم الناس من خلال الاستعراضات الجوفاء بل من خلال معدنهم وبساطتهم وعطائهم وتواضعهم… ورغم الظروف المعروفة التي تتيح لسفير بلد غني كالعراق، ولصديق وفي لقادته الكبار، فقد رحل جهاد، كما الكبار، مثقلاً بالديون بعد ان غمر كل اصدقائه بكرمه الذي يبدو انه كان من فضائل العائلة التي اتخذت “الكرم” اسماً لها…. ولعل في اختياره عنوان كتابه الأول “حديث الذكريات… في السياسة والدبلوماسية والمرأة” انما كان يحدد عناوين الحياة التي عاشها، سياسياً يحمل مبادئ، وديبلوماسياً يحمل رسالة، وعاشقاً يفنى في حب المرأة… لم يكن جهاد مجرد “حكواتي” في زمن جميل فحسب… بل كان هو ذاته حكاية من اجمل حكايا لبنان والعرب، يتناقل طرائفها محبوه وعارفوه من المحيط الى الخليج… رحمه الله وغفر له…