آخر الأخبار
كتابات

مآلات الازمة الفنزويلية .. ما هي السيناريوهات

  • مآلات الازمة الفنزويلية .. ما هي السيناريوهات
تاريخ النشر : Sun, 10 Feb 2019 20:05:24 | عدد المشاهدات: 116

فضلي ادا خلف اعلان رئيس البرلمان الفنزويلي و زعيم المعارضة في 23 من الشهر الماضي والقاضي بتعيين نفسه رئيسا للبلاد بالوكالة أمام حشود من مؤيديه في العاصمة كراكاس، انقسما حادا في الشارع الفنزويلي و معه الموقف الدولي تجاه هذه الخطوة بين مؤيد ومرحب و رافض و مستنكر. الشيء المؤكد الوحيد ان الرئيس الفنزويلي المنتخب “نيكولاس مادورو” وأنصاره وملاين المتعاطفين معه لم يتفاجأوا كثيرا بالانقلاب الذي يقوده المعارض اليميني “خوان خيراردو غوايدو” داخل البلاد، و الذي كان متوقعا بل مؤكدا نظرا لحجم التوتر الذي يشوب العلاقات الفنزويلية الامريكية، و حجم الضغوط التي يتعرض لها النظام هناك والحصار الاقتصادي و السياسي الخانق المفروض عليه منذ سنوات . فنزويلا المستعمرة الإسبانية السابقة التي تعيش منذ سنوات على وقع ازمة اقتصادية حالكة تغذيها ازمة سياسية مزمنة في واحدة من اهم البلدان المنتجة و المصدرة للنفط و الذي تحتل فيه مراتب متقدمة عالميا من حيث الإنتاج و الاحتياط. لكن تربع فنزولا على عرش الدول النفطية و وفرة الموارد الطبيعية و المؤهلات الاقتصادية ليس نعمة كما يعتقد البعض ، و لا تكفي وحدها لضمان استقرار هذا البلد و زدهاره، فقربها الجغرافي من الولايات المتحدة الأمريكية يشكل نذير شؤم يجعل مقولة ( الرئيس المكسيكي بورفيرو دياز) عن المكسيك تنطبق عليها عندما قال: “مسكينة هي المكسيك بعيدة عن الله قريبة من أمريكا”. حيث تعتبر دول أمريكا اللاتينية بمثابة فناء او حديقة خلفية للولايات المتحدة الامريكية حسب “مبدأ مونرو” نسبة الى الرئيس الأمريكي –جيمس مونرو 1823 – والتي يتوجب عليها الخضوع والطاعة التامة للسياسات الامريكية، و وضع مواردها الطبيعية تحت تصرف شركاتها العملاقة، و كل محاولة لشق عصا الطاعة يعتبر كفرا و جحود يستلزم التغير على الفور. سواء بتدخل عسكري مباشر او عن طريق حصار اقتصادي يليه انقلاب مدبر ومدعوم. وهو ما تجيدوه الإدارة الأمريكية واذرعتها الاستخباراتية على مر التاريخ. فالتدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية ضد أنظمة الحكم اليسارية ليس وليد اللحظة فهو يعود الى حقبة الحرب الباردة وذلك لسببين مهمين الأول سياسي يتمثل في الصراع مع “السوفيت”، والثاني اقتصادي بحت يتمثل في الموارد الطبيعية التي تزخر بيها هذه القارة وتسيل لعاب شركاتها، بداية من الارجنتين ودعم الانقلاب العسكري فيه سنة 1976 واغراقه في مستنقع “الحرب القذرة” فيها على يد الحاكم العسكري ” خورخه فيديلا” الموالي للغرب وزعيم الانقلاب. مرورا بكل من تشيلي و الأورغواي و بوليفيا و البارغواي و انتهاء بالبرازيل الذي شهد انقلاب ناعم ضد المرأة الحديدية و الزعيمة اليسارية “ديلما روسيف” سنة 2016 خليفة الرئيس “لولا دي سيلفا”، المعروفين بمواقفهما المنحازة للقضية الفلسطينية ، كما شملت التدخلات الأمريكية كل من غواتيمالا وبنما وغيرها من الدول واستبدال أنظمة حكمها اليسارية بأنظمة يمينية دكتاتورية موالية لها تتلقى الأوامر من واشنطن بدل عواصمها. ما يحصل ” لمدورو” وهو عقاب أمريكي اوربي إسرائيلي لرئيس أراد ان يكون مستقلا في قرارات بلاده السياسية و الاقتصادية بهدف استفادة شعبه من ثروات بلاده دون تحكم او تدخل اجنبي و مناصرته للقضايا العربية و الافريقية العادلة و على رأسها القضية الفلسطينية. وإدانة الكيان الصهيوني و طرد سفرائه ، وهو تماما ما حدث مع رئيسة لبرازيل “ديلما روسيف”، و الزعيم الفنزويلي الراحل “هوغو تشافيز” سنة 2002 التي بائت بالفشل. اليوم تقف فنزولا على حافة ازمة سياسية مظلمة بين رئيس شرعي منتخب-بنسبة 66%- يساري وريث الحركة “التشافزية” يتمتع بدعم المؤسسة العسكرية و الشرطة و مؤسسة القضاء ممثلة في المحكمة العليا و قطاع عريض من الشعب الفنزويلي الذي اختاره في الاستحقاقات الرئاسية الأخيرة، و الملايين من المتعاطفين معه عبر العالم طالما ساند قضياهم. ورئيس مصطنع “دمية” يحظى بدعم الولايات المتحدة الامريكية و حوالي 40 دولة عبر العالم منها 19 من الاتحاد الأوربي و مجموعة “ليما” إضافة الى الاغلبية البرلمانية التي يتمتع بيها داخل الكونغرس الفنزويلي. فلمن ستكون الغلبة؟ وما مالات هذه الازمة؟ يصعب على أي متابع للشأن الفنزويلي الإجابة عن هذه الأسئلة مجتمعة كانت ام متفرقة نظرا لتسام الوضع بالتعقيد و التشابك، و شح المعلومات الراشحة من كلا الطرفين، لكن يمكن إعطاء السناريوهات التالية: السيناريو الأول : بقاء النظام الحالي وفشل الانقلاب يركز هذا السناريو على بقاء الرئيس الشرعي في السلطة ويجد تبريره من خلال صعوبة القيام بانقلاب على النظام من خارج اسوار المؤسسة العسكرية التي يحظى ” مادورو ” بدعمها، ودعم المليشيات المسلحة المدنية التابعة له –أي الرئيس- و التي يتجاوز عددها نحو 400 الف عنصر التي افشلت مخطط الانقلاب على سلفه “هوغو تشافيز” سنة 2002، إضافة الى تحكم الجيش الوطني بعصب الحياة الاقتصادية للدولة –خاصة المنشأة النفطية- و يضع سلة مصالحه مع النظام مما يلغي فرضية التخلي او الانشقاق عنه، باستثناء بعض الحالات الفردية غير المؤثرة (الجنرال المنشق “فرانسيسكو يانيز” لا يتوفر على فيلق وليست له مهام قيادية). السيناريو الثاني: التدخل العسكري وتغير النظام يتوقع كثير من المراقبين تنفيذ الولايات المتحدة الامريكية لتهديداتها المتكررة و تفعليها للخيار العسكري للإطاحة بالنظام الفنزويلي و تعيين حليفها “خوان غوايدو” خاصة في ظل وجود رئيس متهور محاط بفريق من المستشارين المتشوقين للحروب و الصراعات في مقدمتهم مستشار الامن القومي “جون بولتون” و وزير الخارجية “مايك بومبيو”، لكن تطبيق هذا السيناريو يبدو محدودا للغاية، نظرا لكن تلويح بالخيار العسكري يدخل ضمن الحرب النفسية ولا يخرج عن كونه محاولة لزيادة حجم الضغوطات على النظام الحالي. ينضاف الى ذلك الحساسية المفرطة لدى شعوب أمريكا اللاتينية ضد التدخلات الخارجية والشعب الفنزويلي ليس استثناء، مما قد يعطي نتائج عكسية تصب في مصلحة “مادورو” على حساب المعارضة. السيناريو الثالث: بقاء الحال على ما هو عليه يتوقع هذا السيناريو استمرار معركة تكسير العظام بين النظام و المعارضة ولعب كل طرف للجميع الأوراق المتاحة امامه و تمسكه بموقفه، مع زيادة حجم العقوبات الاقتصادية و السياسية على الرئيس الشرعي، فمن المتوقع ان يتم تجميد الأرصدة الفنزويلية من طرف البنوك الأوربية و الامريكية والتي تقدر بحوالي 17 مليار دولار في البنوك الأمريكية وحدها ووضعها تحت تصرف المعارضة، ناهيك عن طرد البعثات الدبلوماسية في محاولة لفرض عزلة سياسية و اقتصادية في الوقت ذاته، ودخول البلاد في نفق مظلم لا يمكن توقع نهايته. لا نجادل مطلقا في مسؤولية الرئيس “مادورو” وحكومته في فشل إدارة الازمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد والتأخر في اتخاذ الإجراءات اللازمة، و التي أدت الى هجرة 3 ملاين فنزويلي الى الدول المجاورة بحثا عن لقمة العيش و ارتفاع التضخم الذي وصل الى مليون في المئة و تضاعف الأسعار وانعدام السلع الأساسية ، مما زاد من معانة المواطن البسيط، لكن التدخل الأمريكي الأوروبي في شؤون الداخلية للبلاد بحجة دعم الديمقراطية هي حجة كاذبة ومضللة و لا تحترم معاير القانون الدولي ومبدأ احترام سيادة الدول ، وتكرس البلطجة السياسية التي تتبناها هذه الدول وتكشف زيف مبادئها. *باحث في العلوم القانونية