منوعات

نظرية الولاية العامة للفقيه.. ولادتها منشؤها وحاضرها …

الكتاب: تطوّر المرجعية الشيعية: من الغيبة إلى ولاية الفقيه
الكاتب: د. هيثم أحمد مزاحم
الناشر: دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان، تاريخ الإصدار 14 شباط/فبراير 2017
(عدد  الصفحات 391من القطع الكبير)

في الفصل الثالث عشر، يتناول الباحث هيثم مزاحم بالتحليل نشأة نظرية ولاية الفقيه العامة، فيما يدرس
الفصل الرابع عشر عشر تطوّر ولاية الفقيه الى ولاية مطلقة مع الإمام الخميني.

إنَّ فكرة ولاية الفقيه الشيعي العامة التي تخوّله تولّي السلطة
الشاملة، بما تشتمل عليه من الصلاحيّات الدستوريّة والقضائيّة؛ التي تُناط بمِثل
شأنه بين المؤمنينَ في دولة الشيعة الإماميّة إلى أن يظهر الإمام المهدي المعصوم
الثاني عشر (والأخير)، صاحب الزمان، في آخر الزّمان؛ قد بَدَت لِكَثير من
العلماء، من المسلمين والغربيّين، ابتكارا من نحو ما، ينحرفُ عن المظاهر
الأساسيّة للمبدأ الدينيّ-السياسيّ للإماميّة.

هذا الابتكار، بحسب هؤلاء العلماء، يمثّل امتدادا لـ”سُلطة
الإمام” (الولاية) بالنسبة إلى عالِم دينيّ شيعيّ، على الرغم من غياب أيّ طرح
كهذا في المبدأ العقيديّ للإماميّة. إنَّ سببَ هذا الرأي، في اعتقادي، يَكمُن في
فرضيّة أنَّ سلطة كهذه، لعالم دينيّ شيعيّ، يُمكن استنباطها من خلال تعيين صريح (نصّ) من قِبَلِ قائد اصطفته المشيئة الإلهيّة المعترف بها، كطريقة وحيدة تتأسس من
خلالها سلطة الإمام الشيعيّ.

مع عدم وجود تعيين صريح من الإمام الغائب لشخص محدّد ينوب عنه في
مهامّ الإمامة، أفضى النقاش الفقهيّ حول حيثيّة تولّي نيابة الإمام المعصوم، في أثناء
غيبته، إلى اعتماد أن تكون النيابة شرطا في أداء وظائفَ عامّة معيّنة، كالحال
مثلا في منصب القضاء. فقد تطلّبت الظروف التاريخيّة الواقعيّة أن يميّز الفقهاء
بين “القوّة” و”السلطة”، وأن يعترفوا بأن تقلّد منصب السلطة
وانتحال القوّة السياسيّة ضروريتان لإحكام العدالة.

ولم يغيّر تأسيس الدول الشيعية الحاكمة خلال غيبة الإمام، كالدولة
البويهيّة (954 ـ 1055م)، والدولة الصفوية (1501 ـ 1789م)،
التي حوّلت إيران إلى التشيّع، والزندية (1750 ـ 1794م)، والدولة القاجاريّة (1794
ـ 1789م)، والبهلويّة (1925-1979)، العقيدةَ الأساس للإماميّة القائمة على التقية
والانتظار.

واستنادا إلى عقيدة الشيعة الاثني عشرية، فإن الإمام الثاني عشر الغائب، هو الحاكم الشرعي الوحيد للمسلمين، وهو سيعود في آخر الزمان ليقيم النظام الإسلامي العام. مع ذلك، فقد تولّى الفقهاء الذين عاصروا الحكومات الجائرة، منصب الحاكم الشيعيّ العادل، الذي يستطيع مؤقّتا اتباع التفويض القرآنيّ القاضي بخلق نظام عامّ “يكرّس الخير ويدرأ الشرّ”. إلا أنَّ تولي ذلك المنصب كان مؤقتا وعرضة للخطأ.

اعتبر الفقهاء المتقدّمون النيابة عن الإمام نوعا من الثّقة المولاة منه في غيبته؛ فشرّعوا لأيّ منهم أن يتصرّف بصفته حجة للإمام بين أتباعه، فيأخذ على عاتقه كلَّ الوظائف التي خُوِّل الإمام أن يقوم بها بنفسه، أو يفوّضَ أمرها إلى من يجده أهلا لتمثيله.

ومع كون الفقهاء الشيعة أقلَّ طواعية من نظرائهم من أهل السنّة
لتحفيز الانقياد للحكومات الجائرة المستبدّة، إلا أنهم انشغلوا في تبرير ظروفهم
التاريخيّة والسكون لها. فالغيبة الكبرى للإمام والحالة الأقلوية للشيعة مكّنت
الفقهاء، بل حتّى ألزَمَتهم بأن يكونوا براغماتيّين وواقعيّين في تواصلهم مع
الحكومات المعاصرة لهم، وفي صوغ آرائهم الفقهيّة حيالهم، خاصّة أنَّ حُكَّام الأمر
الواقع كانوا محسوبينَ على التشيّع. لهذا كان كل عمل فقهيّ يُحَال بِوَفرة إلى
اقتباسات من القرآن والسنّة النبويّة، وإلى تقييم الفقهاء الدقيق لمن سبقوهم من
الفقهاء. فالفتاوى، المستنبطة من خلال الأدلّة العقليّة والنقليّة، تكشف عن أنها
وضعت لخاصّيّة مواكبة حالات ظرفيّة معيّنة في الدولة الإسلاميّة في ذلك الوقت.

وقد اعتبر الفقهاء المتقدّمون النيابة عن الإمام نوعا من الثّقة
المولاة منه في غيبته؛ فشرّعوا لأيٍّ منهم أن يتصرّف بصفته حجة للإمام بين أتباعه،
فيأخذَ على عاتقه كلَّ الوظائف التي خُوِّلَ الإمام أن يقوم بها بنفسه، أو يفوّضَ
أمرها إلى من يجده أهلا لتمثيله. وقد ارتكز الفقهاء في ما استنبطوه، من نيابتهم
عن الإمام، على مبدأ المصلحة العامّة للأمّة، الذي يخوّلهم صلاحية القيام بوظائف
ذات طابع سياسيّ كأئمّة قائمينَ، وذلك استنادا إلى ولاية الفقيه في الأمور
الحسبية التي لا مناص من تحققها، خصوصا حفظ النظام العام.

وليضمَن مرجع التقليد إخلاص الشيعة له، وجب عليه أن يُثبت استحقاقه
ليكون حارس الأمّة، بوضوح وموضوعيّة، من خلال معايير التقوى والعدالة والفقاهة
والشخصيّة القيادية، إلى ذياع صيته على أنه الأعلم، بما ينشره من مؤلفات عن
القضايا الدينية ومن خلال تدريس طلابه ومقلّديه. أمّا شخصيّته فوجب أن تتأسّس على
التقوى التي تؤهّله ـ من بين ما تؤهّله ـ إلى استلام الحقوق الشرعية (الزكاة
والخمس) ليتمَّ توزيعها على المحتاجين.

رغم عدم حصول إجماع من جانب الفقهاء وعدم توصلهم إلى فرض صيغة
نهائية، بشأن إيجاد حل لأزمة الحكم في ضوء غيبة الإمام المعصوم، إلا أن جميعهم
ينكرون على العاهل الزمني، سواء أكان ملكا (شاها على سبيل المثال) أو برلمانا،
امتلاك الولاية. فهذا السيد الزمني لا يمكن أن يكون إلا المساعد، الوكيل والنائب
لصاحب الولاية الحقيقي، أي للإمام المعصوم، المجتهد (عالم اللاهوت)، القادر،
هو على تفسير وتطبيق الشريعة بالتطابق والتوافق مع المبادئ الشرعية والتقاليد التي
وضعها الأئمة المعصومون، والقواعد العامة في الشريعة. هكذا بالنسبة لبعض
اتجاهات الشيعة الاثني عشرية، فإن المجتهدين، والأسياد، الزعماء الدينيين الشيعة
الذين يتكلمون بدلا من الإمام وفي مكانه، ينتفعون من حصر الولاية.

هذا التصور يفضي في نهايته القصوى إلى تأسيس مبدأ لحكومة
“الشريعة”، تمارسه طبقة من فقهاء اللاهوت (فقهاء علماء ورحانيون)، صاحبة
الاختصاص وحدها في تطبيق مبادئ الإسلام. فهذا هو على سبيل المثال التصور الذي
يدافع عنه آية الله الخميني في كتابه “الحكومة الإسلامية” أو حكومة
الفقيه (عالم اللاهوت). مهما كانت الحلول المعروضة من قبل مختلف تيارات الشيعة
الاثني عشرية لهذه المسألة من ممارسة وظائف الهادي والمشرع في حقبة الغيبة، فقد
نجم عنها على الأقل معطيان: حذر دائم و تأثير سياسي كبير نسبيا للزعماء الدينيين
الشيعة بالنسبة لتأثير علماء السنة المخفف على نطاق واسع”.

يعد الشيخ أحمد بن المولى محمد مهدي النراقي الذي ولد سنة 1765 في
مدينة نيراق، وتوفي سنة 1825، من أقدم وأعمق الباحثين حول ملامح وأصول نظريته
بشأن ولاية الفقيه. لقد أسس أحمد النراقي بحثه على الأصل العقائدي على أن مصدر
الولاية والتشريع هو الله تعالى وحده لا شريك له، وأن الشارع المقدس منح الولاية
إلى الأنبياء ثم الأوصياء ثم الفقهاء، فولاية الفقيه مترشحة من ولاية الأوصياء
والأنبياء. وقدم النراقي الاستدلالات الفقهية على هذا الاستنتاج. فقد استفاد من
ثلاث طرق استدلالية، كوسائل إثبات على صحة أطروحة ولاية الفقيه بالدليل الشرعي.
ثم استعرض الشيخ النراقي مجموعة من النصوص المنسوبة إلى النبي وإلى غيره من أئمة
الشيعة، منها على سبيل المثال:

الطريق الأول: وهي الأخبار الواردة في حق العلماء الأبرار المثبتة
لمناصبهم ومراتبهم. وذكر جملة منها. عالجها دلالة وسندا، عن أبي البختري قال؛ “إن العلماء ورثة الأنبياء” وعن رواية إسماعيل بن جابر “العلماء
أمناء”. وقال الكليني في رواية أخرى: “العلماء، والأنقياء حصون،
والأوصياء سادة”. وعن رواية علي بن أبي حمزة قال؛ “لأن المؤمنين الفقهاء
حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها”. وعن رواية السكر، عن أبي عبد الله عليه
السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الفقهاء أمناء الرسول ما
لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دخولهم في الدنيا؟
قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك، فاحذروهم على دينكم”.

أسس أحمد النراقي بحثه على الأصل العقائدي على أن مصدر الولاية و التشريع هو الله تعالى وحده لا شريك له، وأن الشارع المقدس منح الولاية إلى الأنبياء ثم الأوصياء ثم الفقهاء، فولاية الفقيه مترشحة من ولاية الأوصياء والأنبياء.

وعن رواية جامع الأخبار السادسة، ما رواه في جامع الأخبار عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أفخر يوم القيامة بعلماء أمتي، فأقول علماء أمتي
كسائر الأنبياء قبلي”. وعن رواية الفقه الرضوي السابعة المروي في الفقه
الرضوي بأنه قال: “منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني
إسرائيل”. وعن راوية المنية، المروي في المنية، أنه تعالى قال لعيسى: (عظم
العلماء، واعترف فضلهم فإني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين كفضل
الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضل علي كل شيء).

في بحثه التنظيري هذا لولاية الفقيه، يقيم النراقي تطابقا مطلقا بين ولاية الفقهاء وولاية الإمام المعصوم، حين يؤكد أن الفقيه حسب ما صرحت
الأخبار المتقدمة من كونه “وارث الأنبياء” أو “أمناء الرسل” و”خليفة
الرسول”. و”حصن الإسلام” ومثل الأنبياء وبمنزلتهم و”الحاكم”
و”القاضي” و”الحجة من قبلهم” و”إنه المرجع في جميع
الحوادث” و”أن على يديه مجاري الأمور والأحكام” و”إنه الكافل
لأيتامهم” و”ثبوت ولاية الإفتاء للفقيه، ووجوب الإفتاء عليه
كفاية”. “وجوب التقليد على العامي” وكلتاهما متلازمتان.

ومن وظائف ولاية الفقيه أيضا، إقامة الحدود في زمن الغيبة، حيث
هذب الشيخان إلى ثبوتها له. الأول المعبد في كتابه “المقنعة” ص 129 ـ الطبعة الحجرية قال فيه: “فأما إقامة الحدود، فهو إلى سلطان الإسلام المنصّب من
قبل الله تعالى، وهو أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم ومن نصبوه لذلك من
الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان”. والثاني
للشيخ الطوسي في النهاية ص 284 ـ الطبعة الحجرية مع مجموعة كتب باسم “الجوامع
الفقهية”.

كما أكد الشيخ أبو يعلى سلار بن علي العزيز الدليمي ثبوت إقامة
الحدود لولاية الفقيه، حيث قال في كتابه (المراسيم) ص 661 الطبعة الحجرية في كتاب
“الجوامع الفقهية”. “فقد فوضوا “عليهم السلام” إلى
الفقهاء إقامة الحدود والأحكام بين الناس، بعد ألا يتعدوا واجبا ولا يتجاوزوا
واحدا خ.ل)، وأمروا عامة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك ما استقاموا على الطريقة
ولم يحيدوا”.

حسب نظرية النراقي لولاية الفقيه، فإن خاتم الأوصياء (ع) أي الإمام
المعصوم الثاني عشر الغائب الذي هو بمنزلة المهدي المنتظر، قد أعطى صلاحية إتمام
المشوار إلى الفقهاء العدول لتأسيس الدولة الإسلامية الصالحة، واعتبره الفقيه
المسؤول عن إدارة المجتمع المسلم، وإليه اختيار شكل الحكومة وكيفية ونوع الإدارة
حسبما تقتضيه المصلحة، وطبق الموازين والكليات الإسلامية. واتساقا مع هذه
النظرية، فإن الفقهاء هم الحكام في زمن الغيبة، والنواب للأئمة. و هذا ما يجعلنا
نقول بأن نظرية ولاية الفقيه، كما أخرجها إلى عالم النور أحمد النراقي تقود إلى
تمأسس الفقهاء في كنيسة دولة” (المؤسسة الفقهية الحاكمة في عهد الدولة
الصفوية). وإلى الإيهام بالمطالبة ما بين ولاية الفقيه وولاية الإمام المعصوم.

وهكذا يبدو التنظير لولاية الفقيه من جانب المولى الذي عاش في عهد
الدولة الصفوية، التي شهدت انفتاحا سياسيا على العلماء، وأكدت دورهم في
السياسة والأمة، وشكلوا قوة مؤثرة في الحكم، وتصدوا للقضاء وإرشاد الحكام والملوك
وتوجيههم، وتمأسسوا في “كنيسة ـ دولة” تتناقض مع رؤية الشيخ علي
الكركي، الذي رغم كونه اشتغل في عهد الدولة الصفوية “بابا” شيعيا فعليا للدولة، إلا أنه لم يكن يتجرأ على الخلط ما بين ولايته وولاية الإمام المعصوم، ومن ثم لم يكن يرى في المحصلة في الدولة الصفوية سوى دولة زمنية، ينطبق عليها ما
ينطبق عليه الحكم الشيعي على الدولة الزمنية.

النائيني المصلح اللوثري للعقيدة الشيعية

والحال هذه، فإن نظرية ولاية الفقيه هذه كما نظر لها النراقي ليست
منقطعة عن النظرية الشيعية الكلاسيكية للدولة الإسلامية في عصر الغيبة وحسب، بل
“ومنقطعة أيضا عن التأويل المدني المستنير لهذه النظرية، الذي عبر عنه آية
الله النائيني، “لوثر” الإسلام الشيعي العظيم. فمن هو
“النائيني”؟ وكيف عبر عن هذا التأويل؟ وما الشروط التي حكمت تأويله؟ وبأي
معنى حمل في حركة الإصلاح الإسلامي مشروعا “لوثريا” بلغة شيعية”.

برزت قوة الفقهاء الشيعة كمؤسسة دينية مع بداية القرن التاسع عشر، حيث
شهد عصر الشاه ناصر الدين مواجهة كبيرة بينه وبين هذه المؤسسة الدينية، ممثلة في
مرجع الشيعة الكبير الميرزا محمد حسين الشيرازي. وحين وقع الشاه مع أحد
البريطانيين “الميجور تالبوت” امتيازا أعطى بموجبه حق استثمار التبغ
لمدة 50 عاما، دعا الفقهاء إلى مقاومة امتياز التبغ مقاومة مسلحة ـ في شيراز ـ
منطقة التبغ الرئيسية. وإزاء استمرار موقف الشاه على ما كان عليه، فإن الميرزا
الشيرازي أصدر في عام 1891 فتواه التاريخية التي قال فيها: “التدخين الآن
حرام وبمنزلة محاربة لإمام الزمان (الإمام المعصوم)”.

وتحت الضغط الشيعي والعلماء، لم يجد الشاه مفرا من إلغاء الاتفاق
وسحب كل امتيازات شركة “تالبوت” في عام 1892. وكانت نهاية الشاه في
عام 1896، “عندما قتله أحد تلاميذه الأفغاني بعدة رصاصات أطلقها عليه”.

ومع تولي الشاه مظفر الدين الحكم في إيران، وتبنيه سياسة ليبرالية
جديدة في ذلك الوقت، آخر القرن التاسع عشر، واحتلال الفقهاء موقعا مهما في
الخريطة السياسية في إيران، طرحت القضية الدستورية أو “المشروطية”.
وتصدر الفقهاء الدعوة الدستورية، وكان من مقدمة هؤلاء ثلاثة من علماء النجف هم
الملا محمد كاظم خراساني، والملا محمد عبد الله مازاندا راني والحاج ميرزا حسين
خليلي طهراني. وقد شكلت فتاواهم 1905، التي قادها الخراساني ضد استبداد الشاه
“القاجاري” في إيران، من أجل إقامة سلطة دستورية مقيدة.

وبالفعل أصدر الشاه مظفر الدين الدين القرار الذي طال انتظاره، وهو
“فرمان مشروطيت” الذي أذيع في 15 آب عام 1906، وبصدوره أصبحت إيران لأول
مرة في تاريخها المعاصر، دولة ذات حكم دستوري. فتشكلت لجنة من العلماء وبعض
الشخصيات الوطنية و الليبرالية، وبعض أعضاء الحكومة، وقامت بصياغة قانون
الانتخابات، وتشكل البرلمان، وصدر الدستور الذي نص على أن يكون مذهب الشيعة
الإمامية هو المذهب الرسمي للدولة، وكانت الدولة العثمانية الخصم السيئ، تهتم
بالمذهب الحنفي.

غير أن أهم تنظير لثورة الدستور الإيراني صدر عن الشيخ محمد حسين
الفروي النائيني (1860 – 1936) الذي انفرد بالمرجعية الشيعية عام 1920، وأصدر في
تلك الظروف كتابه الشهير (تبنيه الأمة وتنزيه الملة في وجوب المشروطة”، الذي
يعد بمنزلة الأيديولوجيا المستنيرة للثورة الدستورية، حيث صب جام غضبه على
“أنصار المستبدة” من “علماء السوء”، باعتبارهم نوعا من
“إكليروس” شيعي سلطاني، ووصفهم بـ “عبدة الظالمين” و”لصوص
الدين ومضلي ضعفاء المسلمين” و”المعممين”.

في كتابه هذا، الذي يعد وثيقة نادرة تعبر عن النظرية السياسية
الشيعية، طرح الشيخ تصوره على النحو التالي: “في غيبة الإمام المعصوم، فإن
أفضل وسيلة لتجنب انحراف السلطة، إلزام الحاكم بدستور يحدد حقوق وواجبات الدولة،
ثم إنشاء مجلس يضم “الأذكياء والحكماء في البلاد الذين يضمرون الخير
للشعب”، من أجل الإشراف على تطبيق الدستور، ومراقبة أعمال الدولة. ويجب ألا
يتضمن الدستور أي مواد تتعارض والإسلام. كما يجب أن يضم المجلس من بين أعضائه
“عددا من المجتهدين” الذين يراقبون التزام قوانينه بالإسلام.

ويذهب النائيني في خطابه الفقهي الإصلاحي إلى القول؛ إن منع الحكم
المطلق من خلال وضع دستور وإنشاء مجلس شعبي، هو فريضة دينية، على الرغم من اختفاء
الإمام عن الأنظار، ومن انسحاب الشرعية في الوقت ذاته من المستوى الدنيوي.

في غيبة الإمام المعصوم، فإن أفضل وسيلة لتجنب انحراف السلطة، إلزام الحاكم بدستور يحدد حقوق وواجبات الدولة، ثم إنشاء مجلس يضم “الأذكياء والحكماء في البلاد الذين يضمرون الخير للشعب”، من أجل الإشراف على تطبيق الدستور، و مراقبة أعمال الدولة.

ورغم أن الفقه الشيعي يعد أن أي حكم في غيبة الإمام المعصوم هو بمنزلة
اغتصاب لسلطانه، مما يجرح شرعيته، إلا أن الشيخ النائيني عالج هذه النقطة بذكاء
بالغ لمصلحة الحكم الدستوري. فقال؛ إن الحاكم الظالم الذي لا يقيد بدستور أو مجلس
شعبي (برلمان)، يغتصب أمرين في آن واحد؛ حق الإمام الغائب، وحرية الناس. أما
الحاكم الذي يقيد بالدستور والمجلس الشعبي، فهو يغتصب حق الإمام وحده، بينما يؤمن
حريات الناس. ولذا، فيجب أن يظل حكمه المفضل، طالما أن غيبة الإمام مستمرة.

تكمن أهمية خطاب النائيني في طريقة إنتاج مقولات حديثة بالنسبة للفكر
الشيعي الكلاسيكي، “فهو لم يتكلم على الحكومة الدينية، وإنما عني بالمطابقة بين
الشريعة والمشروطة لشرعية هذا المبدأ، أو تقريبه من أذواق الناس والرد على دعاة
المستبدة”.

كما أن خطاب النائيني شكل نقلة نوعية في سيرورة الإصلاح الإسلامي، التي كان روادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده الكواكبي، حين أكد ضرورة
الفصل ما بين الزمني والروحي من منطلق ديني بحت، أي ما بين الإمامة العاصمة
المعصومة (التي تمثل الروحي) والدولة (التي تمثل الزمني).

النقطة المفصلية في الإصلاح الشيعي الذي طوره النائيني، تتمثل في حل
الإشكالية التالي  طالما أنه لا يمكن إقامة حاكمية الله على الأرض في ظل غيبة
الإمام المعصوم، الذي لا يجوز عليه الخطأ والزلل والمعصية، وهو ما يحول هذه
النظرية في “الإمامة” فعليا اسما بلا مسمى، الأمر الذي يضفي شرعية سلبية
على السلطة الزمنية الغاصبة لحق الإمام، في ظل إصرار الفقهاء الشيعة على عدم جواز
مداخلة الأمة في أمر الإقامة، فإن النائيني “يوظف هذه الآلية نفسها كي يشير إلى حق ولاية الأمة على نفسها في عصر الغيبة؛ إذ إن هذه المسألة هي من الأمور الحسابية
لا من التكاليف العمومية بلغة النائيني ومصطلحه الفقهي، وبمعنى آخر، فإن ولاية
الأمة على نفسها شأن سياسي وليس شأنا شرعيا. فإذا كان الشيعي مكلف (في إطار المعنى
الفقهي للتكليف) بإقامة الحاكمية الإلهية لاستحالة تطبيقها، فإنه مكلف شرعا (وهنا
تحضر آلية الشرعنة) بأن يحل هذا الشأن الحسبي السياسي بما ينسجم مع مصلحة الأمة،
وهو ما يعني انخراطه في السياسة لتحويل السلطة المستبدة إلى سلطة ديمقراطية تمثل
الأمة”.

إن خطاب النائيني يرفض الخطاب الشيعي الكلاسيكي غير المطابق الذي
يجسد تباعدا بين سقفه (الروحي) وحركة التاريخ والواقع (الزمني)، الذي يرتكز على
قيم مطلقة تضعه خارج التاريخ، فإن مسها بتعديل ما تعرض لتهمة الانحراف عن نظرية
الإمامة المعصومة، في مقابل هذا الرفض، يقدم خطابا دينيا إصلاحيا واضحا في
قبول الدولة المدنية، باعتباره يعكس واقعية شيعية تؤكد أن الأمة ليست مدعوة
إلى تشكيل حكومة إلهية دينية بل إلى تشكيل حكومة مدينة زمنية عادلة، يسميها
النائيني أيضا الديمقراطية، ينفصل فيها الديني عن الزمني على غرار الإصلاح
اللوثري، وهو ما يمكن أن نطلق عليه بـ “العلمانية” بواسطة منطلق ديني
بحت.

يجسد خطاب النائيني قطيعة معرفية ومنهجية مع الخطاب الشيعي
الكلاسيكي الذي يكرس الانقياد الأعمى لـ “الأكليروس الديني”، بوصفها
أساس “رسوخ معبودية السلطان”، ويفضح تلك العلاقة التماثلية ما بين
الاستبدادين الديني والسياسي، باعتبارهما توأمين متآخين يتوقف حفظ أحدهما على وجود
الآخر، وهو ما يفسر بالنسبة إلى النائيني استحكام الاستبداد في إيران، إذ لولا ما
نراه من ائتلاف هاتين الشعبتين الاستبداديتين السياسية والدينية واتفاقهما، وتقوم
إحداهما بالأخرى لما أصبح استعبادنا نحن الإيرانيين واضحا مشهودا.

إن المعبودية المحضة، أو البنية التألهية هي التي تنتج البنية
الاستبدادية في بعدها الديني السياسي. و”عبادة النصارى لإجبارها ورهبانها
عبارة عن انقيادها الأعمى لطاعة باباواتها وقسيسيها، كما أن معبودية السلطان عبارة
عن انقياد الأمة لإرادته التحكمية في باب السياسة والملكية. كذلك يكون الانقياد
والخضوع لرؤساء المذاهب والملل بعنوان، إنه من الديانة معبودية محضة”.

التماثل البنيوي ما بين الاستبدادين السياسي والديني في نظر جمال
باروت الذي يثمن عاليا الإصلاح اللوثير الذي قام به النائيني، أو ما يمكن تسميته
بـ “العلمنة الإسلامية”، هو نوع من التواشج البنيوي ما بين الاستبدادين
السياسي والديني، التواشج هنا بمعنى التضايف Correlation أي
الاشتراط المتبادل للعلاقة التواشجية، فتحضر هذه البنية في جوهرها التضايقي/
التواشجي من خلال “كاريزمية” السلطان و”تألهه”، إذ ربما (أي
السلطان) تحلى بالأسماء الإلهية وقدس نفسه بتلك الصفات القدسية، فهو “الحاكم
المطلق والحاكم بأمره ومالك الرقاب والظالم القهار وأمثال ذلك” لا يقبل أي
شرك و”فاعلية ما يشاء وحاكمية ما يريد وعدم مسؤوليته عما يفعل، إلى غير ذلك
من الأسماء الإلهية وصفات الذات الأحدية، وآخر هذه الدرجات ادعاء مقام الإلهية
مطبقا على نفسه قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون). فإن فتك فقد. فتك
بمملوكه وإن عفا فهو أهل العفو عن عبيده وإمائه.

مع دخول الحداثة، كنمط حديث في الإدارة والتعليم الحديث، ومنظومة
القيم الحديثة، مثّلَت الإصلاحات التي أدخلت إلى النظام القضائيّ والحكوميّ عبر
وضع دستور “المشروطة” في إيران عام 1906، محاولات تحديث المؤسّسات
الاجتماعيّة والسياسيّة التقليدية الإسلاميّة في المجالات الإيرانيّة، ما أثار
نقاشا حادّا بين فصائلَ مختلفة تنتمي إلى طيف واسع من الآيديولوجيّات. وقد واجهت
الحركة الدستورية (المشروطة) في إيران معارضة من النظام والمجتمع التقليدي، وبعض
الفقهاء التقليديين في إيران خلال حكم القاجار الملكي.

وقد أدّى الاصطدام المضطرب، والعدائيّ أحيانا، بين الثقافة
الإسلاميّة التقليديّة والقيم الغربية الحديثة، إلى تقويض فعاليّة القيادة
الشيعيّة التقليديّة في التعاطي مع التطوّرات الاجتماعيّة السياسيّة في ذلك الوقت.
فمارس الشيعة الملتمسون للإرشاد في مجال العلاقات الاجتماعية السياسيّة في حالة
الحداثة المعاصرة، ضغطا هائلا على مراجع التقليد كي يبيّنوا لهم أوجه فعاليّة
المعالجات الإسلاميّة التقليديّة للقضايا الطارئة، التي تستثير توقّعات للشيعة
مغايرة للعادة، قد بات على المراجع مواكبتها.

وفي أوائل القرن العشرين، تزايدَ انحصار موقع الأعلم من بين الفقهاء،
في المسائل الدينيّة البحتة، ما حدا بهؤلاء على الانكفاء عن الساحة الاجتماعيّة –
الساسيّة. أدّى هذا الأمر إلى شياع تسليم، لدى القيادة والجسم الشيعيّ العامّ،
بأنَّه ليس بمقدور الفقهاء تقلّد أيِّ مسؤوليّة سياسيّة، لا سيّما في دولة حديثة.

كان الردّ العقيديّ، في مقابل هذا الانكفاء، إعادة تأكيد مبدأ
“ولاية الفقيه” الذي أعيد تفسيره وتطويره، في محاضرات آية الله الخمينيّ
في النجف، بين 21 كانون الثاني/يناير و8 شباط/فبراير من العام 1970.

لقد مثل مبدأ “ولاية الفقيه” الركيزة الدينيّة التي على
أساسها يتمُّ تعزيز سلطة الفقيه الشيعيّ ولي أمر شؤون الشيعة في دولة شيعيّة في
العصر الحديث.

اقرأ أيضا: قراءة فقهية وتاريخية وسياسية لنظام ولاية الفقيه.. دور الثورة الإيرانية

اقرأ أيضا: نشأة التشيع خلال المراحل التاريخية ونظرية الغيبة الكبرى.. قراءة في كتاب



مصدر الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى