آخر الأخبار
كتابات

تعقيبا على وثيقة الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في سورية

  • تعقيبا على وثيقة الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في سورية
تاريخ النشر : Mon, 10 Jun 2019 20:21:57 | عدد المشاهدات: 39

د. عبد الحميد فجر سلوم بعد فترة وجيزة من اجتماع السيد الرئيس بالحكومة، نقلت الأنباء الرسمية وموقِع رئاسة الوزراء يوم 2/ حزيران/ 2019 أن مجلس الوزراء السوري أقرَّ ” وثيقة الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد”.. وبما أن الحكومة ترغب دوما في مشاركة آراء المواطنين، فسوف أدلو بدلوي من خلال هذه الصحيفة الغرّاء والغيورة على سورية، لعلَّ ما سأقولهُ قد يُسهِمُ في إغناء هذه الإستراتيجية، ويصلُ إلى مسامع أهل القرار، وطالما أن هدفنا جميعا هو خدمة وطننا العزيز على قلوب الجميع، والنهوض به دوما نحو الأفضل.. بداية يجب أن نتفق على أن الفساد ليس مجرّد الرشوة أو السرقة، وإنما له مئات الأشكال والوجوه ومن بينها وأخطرها فساد “الضمير” .. فحينما يغيب الضمير لدى الإنسان، وخاصة المسؤول يحضر كل أشكال الفساد والظلم والتخريب ويصبِح أشبه بذاك الجاسوس السوفييتي الذي كانت مهمته وضع كل شخص في غير مكانه المناسب بهدف تخريب عمل المؤسسات وإفشالها.. لا أشكُّ أبدا بنوايا السيد رئيس الوزراء والوزراء (رغم أن بينهم من لا أثق به بمثقال ذرة استنادا إلى حقائق دامغة) وجدِّيتهم في مكافحة الفساد ولكن سأطرح عدة تساؤلات مختصرة، لأنني من جيلٍ تعلّم في حزب البعث، وعلَّمَ أيضا، أن لا يسكت عن خطأ وتقصير وتجاوُز وفساد وإفساد، وسأعتبر نفسي في اجتماع حزبي وأتحدث بذات الشفافية والصراحة التي كنتُ أتحدثُ بها أيام الجامعة، كطالبْ ثمَّ مُدرِّس (قبل الثمانينيات) إلى جانب العديد من الرفاق البعثيين الصادقين حينما كنا نُسلِّط الأضواء على كل أشكال الفساد والتجاوزات ونُنبِّه إلى مخاطرها ونتائجها منذ ذاك الزمن، وأنا مسؤول عن كل كلمة .. فأنا ابن الوطن وأتمنى أن أراه في مقدمة الأوطان، ومن غير المقبول أن يبقى هذا الوطن لأناسٍ دون غيرهم إلى ما لا نهاية: أولا : هل ستتم مكافحة الفساد بمفعول رجعي، أم أن (اللّي ضربْ ضربْ واللي هربْ هربْ، وعفى الله عما مضى؟.). إنْ كان هذا هو المبدأ الذي سوف يُطبَّق فليس هناك أملا بمكافحة الفساد.. لأن من حق كل فاسد يُستدعى للمسائلة والمحاسبة أن يقول : شو ما شفتو غيري؟. تركتوا كل الحرامية وحيتان الفساد وجيتو لعندي؟. ولهذا ما لم تتم مكافحة الفساد بمفعول رجعي، وبلا استثناء، وعلى مبدأ : من أين لك هذا؟. فسوف نبقى في إطار الدعاية الإعلامية لا أكثر.. الفساد جريمة بحق الوطن والشعب، ومهما كان حجم الجريمة كبيرا أم صغيرا، فلا يجوز تجاوزها.. والفاسد مهما مضى على فساده من الزمن فيجب أن يُحاسَب .. هكذا يجب أن تكون القاعدة.. ثانيا: ماذا عمَّن استغلوا سلطتهم ونفوذهم وباتوا من خلال ذلك أثرى الأثرياء هُم وأولادهم؟. وماذا عمّن استغلوا نفوذهم وسطوا على أملاك عامّة هنا وهناك، أو بين الأبنية في قلب العاصمة وفي أبرز أحيائها الغربية، وشيَّدوا المحلات أو الأبنية فوق الممتلكات العامة ، وعلى أعين سلطات الدولة، وأعيُن الجميع، هل ستتم محاسبتهم؟. وإن لم يُحاسبوا فكيف ستقتنع الناس بأن هناك جدِّية فعلية وإرادة حقيقية لمكافحة الفساد؟. ثالثا: قد يقول البعض أنه لم يسرق ليرة واحدة من أموال الدولة (وهذه سَمِعتها من أحد كبار المسؤولين السابقين) وقد يكون هذا صحيحا، ولكن ماذا عن استغلال السلطة؟. وهل لولا السلطة كانت تهيأت لهم ولأشقائهم وأولادهم، الظروف لِجمعِ الثروة والبزنس والشَرَاكات مع أهل البزنس، أو غيرها من ظروف أتاحت لهم الثراء؟. وأليس استغلال السلطة فسادا؟. رابعا: ماذا عن فساد “الضمير” الذي لا يقلُّ خطرا عن فساد اليد، بإسناد المناصب حسب المحسوبيات والولاءات والواسطات والقرابات والمصاهرات والدعم والتبنِّي..واعتبار المناصب ” تنفيعة” والأهل والأقربون والأصحاب والأحباب والمُلتمسين والمدعومين هم أحق بها من غيرهم (هذا الغير الذين هُم أول من يستحقها) وهكذا يسود الظلم، ويتم تهميش وإقصاء خيرة كوادر الوطن، وتتضرر الدولة والوطن، ولكن هذا لا يفكر به من أعطوا ضميرهم إجازة مفتوحة.. فالمهم أن يستفيد أقاربهم وأحبتهم وأزلامهم..أليس هذا تخريبا ممنهجا بالوطن وأخطر أشكال الفساد؟. وحتى لا يكون الكلام إنشائيا فسوف أشير إلى مثَلٍ واحدٍ يُلخِّص الكثير، وهو تعيين سفراء من خارج السلك (مع كل الاحترام) جيء بهم جميعا على أساس المحسوبيات وبينهم مَن كانت تقيم وتعمل في الكويت مع زوجها، فلم يروا في كل الكادر الدبلوماسي، وأساتذة الدبلوماسية، ولا في كل ذوي الشهداء، من يصلح ليشغل منصب سفير في إحدى العواصم الغربية، سوى تلك السيدة؟. أليس هذا تكفيرٌ للناس بدولتهم ومسؤوليها؟. بل بعض من جاؤوا بهم بالواسطات والمحسوبيات والقرابات من خارج السلك لا يعرف كلمة بلغة أجنبية في الدنيا ولا يحمل سوى شهادة متواضعة ، على حساب أهل الكفاءات العليا العلمية واللغوية.. أليس هذا فسادا وإفسادا؟. والأنكى أن هؤلاء لم يعملوا يوما واحدا بالوزارة ولا يعرفون ما هي أقسامها، ويتنقلون من سفارة لأخرى منذ 19 سنة أو 18 سنة ، وأولادهم بعيدون عن مخاطر الحرب ولم يخدموا حتى الخدمة “الوطنية” في الجيش (ويزايدون بالوطنية) ويقبض واحدهم في الشهر أكثر مما تقبضه عائلات خمسين شهيدا؟. أين يمكن أن نضع كل ذلك؟. أليس في خانة الفساد والاعتداء على حق التساوي في المواطَنة والاعتداء على مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص؟. فحينما تنتفي المعايير والعدالة وتكافؤ الفرص ويحلُّ مكانها المحسوبيات والواسطات والقرابات والتنفيعات فألا نكون أمام أبشع ظاهرة فساد وتخريب ممنهج في الوطن؟. ومِمّن؟. لماذا لا يكون هناك وضوحا وشفافية في كل شيء بدلَ أن يبقى كل شيء ألغازا وأسرارا وحزازيرا؟. لماذا لا يتم وضعُ شروط واضحة للجميع لتسمية سفراء من بين الموالين، وتُعلّقُ في لوحة الإعلانات، وتُحدِّد مدة السفير بأربع سنوات (في أمريكا ثلاث سنوات وفي مصر ثلاث سنوات، فقط عندنا في سورية المدة الزمنية مفتوحة إلى ما لا نهاية بِحسب واسطة كل واحد، ترسيخا لمبدأ أن الوطن للبعض دون البعض الآخر).. وإلى متى سيستمر احتقار المؤهلات العلمية في سورية ويكفر الإنسان بشهاداته ومؤهلاته وهو يرى الأقل تأهيلا بكثير يشغلون المناصب لأنهم مدعومون؟. العِلم في سورية والشهادات والمؤهلات، لا تعني شيئا، بِلا واسِطة.. المُؤهَّلْ الوحيد المطلوب هو الواسطة ودون ذلك أمور جانبية.. أليس هذا فسادا وتخريبا في الدولة؟. مَن المسؤول عنه؟. خامسا: أين يوجد في الدنيا (قرارا) يسمح لوزير ما، أن يصرف كوادر وزارته ما بين الـ 60 عاما وبين الـ 70 عاما، حسبما يرتئي ويرغب، وذلك خلافا لقانون العاملين الموحد؟. أيْ هناك من يصرفه في عُمرِ الـ 60 وهناك من يصرفه في عُمر 61 أو 62 أو 63 أو 64 أو 65 أو 66 أو 67 أو 68 وهكذا حتى عُمر السبعين، بحسب المزاج والمحسوبية.. وإن كان هناك شخصا مدعوما حبَّة زيادة يُبرَم معه عقدا ويستمر في عمله حتى 75 عاما وما فوق .. ألا يُذكِّرنا هذا بالطبقات الهندوسية الأربع، حيث هناك من خلقهم الإله من فمهِ والطبقة الثانية من ذراعيه والثالثة من فخذهِ والرابعة من رجليه، وعلى هذا الأساس يكون التعامل مع كل طبقة؟. أليسَ هذا فوضى ومأسَسَة رسمية للتمييز بين الناس والدَّعس على التساوي في تكافؤ الفرص؟. وهل الوثيقة الإستراتيجية لمكافحة الفساد ستُلحظ ذلك أم لا ؟.. سادسا: كيف لِمن لم يحترم في مؤسسته أية تراتبية وأقدمية وخبرات وكفاءات ومؤهلات ونظافة يد ودماء شهداء، وأدارها بعقلية المزرعة، مُستغلا صلاحياته وسلطته بشكل تعسفي، كيف لهذا أن يتحدث عن مكافحة فساد، أو يشارك في وضع استراتيجيات لذلك؟. وماذا عن “العصبيات” المُقرِفة بالدولة، فهذا مُتعصِّب لأبناء العاصمة وذاك لأبناء مدينته والآخر لأبناء طائفته ومِلَتهِ ووو الخ .. ؟. كيف سنقضي على هذا النوع من الفساد؟. هذا الكلام ليس عامّا لأن هناك بالتأكيد وطنيون عابرون لكل هذه الممارسات ويرفضونها جدا، وأحييهم.. سابعا: كيف لِمن استخفَّ بكل المعاني المؤسساتية وأسند صلاحيات لا يمتلكها معاونيه، إلى مستخدَم محلي لا يحمل أي مؤهَّلٍ علمي ولم يقطع المرحلة الإعدادية (كان مراسلا وسائقا) ثم عيَّنه لاحقا مديرا لمكتبه ليستعطفهُ الكبير والصغير، ضاربا بعرض الحائط بكافة كوادر وزارته والمؤهلات العليا، بل في إحدى اللقاءات بالماضي مع رئيس أكبر دولة مجاورة لسورية، كان يجلس مقابل رئيس تلك الدولة الوزير وإلى جواره المستخدَم في غياب أي كادر من كوادر الوزارة، كيف لهذا أن نثق بأنه سوف يكافح الفساد؟. وماذا نُسمِّي هكذا أفعال؟. وهل هكذا تكون عقلية رجُل الدولة؟. وأليس عدم وضْع الإنسان المناسب في المكان المناسب هو أخطر أشكال التخريب بالدولة؟. يا ليتهم في دولة العدو الإسرائيلي يقومون بهكذا أفعال لكانت غرِقت وزاراتهم بالتخلف والتراجُع والفساد وكنا فرِحنا بذلك، لأن هزيمتهم ستكون أسهل.. ثامنا: السماح للتجار برفع أسعار موادِّهم ومنتجاتهم بما يوازي ارتفاع الدولار، وأكثر، حتى يحافظوا على ذات نسبة الأرباح الكبيرة، ويمصُّون دماء البشر، وعلى أعين الحكومة، ولا يتمُّ رَفعِ رواتب العاملين بالدولة ولا المتقاعدين الذين أفنوا حياتهم في خدمة الدولة، ليرة واحدة، فماذا نُسمِّي ذلك؟. هل هو لا مبالاة من الحكومة؟. أم تحيُّز منها إزاء التجار على حساب الفقراء؟. أم عدم القيام بواجباتها بمسؤولية كاملة؟. أم أن التجار أقوى من الحكومة، أم غير ذلك؟. الدولار ارتفع أكثر من إحدى عشر ضعفا منذ عام 2011 وحتى اليوم.. والأسعار ارتفعت إثني عشر ضعفا، والرواتب لم ترتفع ليرة واحدة منذئذٍ !..هل هذا معقول؟. ألا ترى الحكومة وتُدرِك أن راتب الموظف وتقاعده لا يكفي لحياة ” قِطْ” ؟. فكيف بحياة أسرة؟. وألا يدفع ذلك الناس دفعا لكل أشكال الفساد، بل والسرقة والتشليح والجريمة والنصب والاحتيال؟. وهل يمكن مكافحة الفساد في ظل هكذا وضع؟. تاسعا: موظف التموين الذي يذهب إلى حانوت أو سوبر ماركت ما للتحقيق في شكوى فيعطيه صاحب الحانوت رشوة وينصرف ويتغاضى عن موضوع الشكوى، هذا كيف سيُحاسَب؟. وكيف سنقضي على فساده؟. عاشرا: رئيس المؤسسة أو المنظمة الذي يعيد هيكلة منظمته أو مؤسسته لضغط النفقات ويصرِف خيرة الكوادر وأصحاب المؤهلات العلمية واللغوية، ويُبقي على الأقل تأهيلا لأنهم مدعومون أو مدعومات، أو لأسباب أخرى، هذا ماذا نُطلِق عليه؟. حادي عاشر: عملية تسييس الفساد وشخصنتهِ وربطِه بالمصالح والأهواء والمواقف هي من شجعت، وتشجع، على الفساد.. فيتم السكوت عن الفاسد سنينا وعقودا ودهرا طالما هو باقٍ في ضَفّتي ويسير في صَفِّي، ولكن ما إن ينتقل إلى الصف الآخر أو الضفة الأخرى حتى نبدأ بِلعنِ (سلسفيل اللّي خلّفوه) ونبدأ نكتشف أنه كان أكبر لص وحرامي وفاسد وعميل وخائن ومخرِّب ومهرِّب وناهب لثروات الوطن وووو الخ ، وكل ذلك قد يكون صحيحا ولكن لماذا كان مسكوتٌ عنه وكـأننا لم نكُن نراه خلال كل هذه السنين؟. هذا ببساطة يعني المعادلة التالية: لا مانع من الفساد شرط أن تبقى في هذا الصف وفي هذه الضفة وإلا فسوف نفضحك.. أليس هذا ما حصل بالماضي؟. وأليس هناك فاسدون مالئين البلد لم يتعرض لهم أحدا لأنهم لم يعلنوا الانتقال إلى الضفة الأخرى؟. وكمْ أساء كبار الفاسدين لهذا الوطن بدعمِهم لأسوأ وأتفه نوعيات (بل بعضهم كان يستحق مصح عقلي) وإسناد المناصب لهم كونِهم أزلامهم!. أحد هؤلاء الأزلام كان ممثلا للدولة في ألمانيا عشر سنوات، وآخرا كان مُضحِكا لِعقدٍ من الزمن في أهم العواصم المغربية وكان فضيحة وسارق بالأدلة الدامغة، ولكن لم يكن سائلْ عن أحد لأن أكبر المسؤولين حينئذ وأكبر الفاسدين ( المُعارِض والمقيم منذ حوالي 14 سنة في باريس) كان داعما له بقوة .. ثاني عشر: حينما نجد شخصا في الثمانين من العمر يشغل أعلى المواقِع، ويصرف من يصغرونه بالعمر 15 سنة، من ذوي الكفاءات والخبرات والمؤهلات، وممن هم أكفأ منه، بِحجّة السن ، وبشكل انتقائي، فهل هذا يستقيم مع عقل ومنطق؟. وماذا نُسمِّي ذلك؟. فسادْ أم تخريبْ ؟. وهل هذا تنطبق عليه خطة مكافحة الفساد؟. ثالث عشر: لقد باتت هناك فروقات طبقية هائلة في المجتمع، والدولة التي جاءت بعد ثورة 8 آذار لخدمة الفقراء والفلاحين والعمال والكادحين وذوي الدخل المحدود، للأسف حوّلت كل هؤلاء لخدمة التجار والأثرياء سواء من أهل السلطة والنفوذ، وغيرهم من التجار ورجال الأعمال..وأصبح التقارُب هو بين أهل السلطة والنفوذ وبين التجار وليس بينهم وبين الكادحين.. وبات أتعس التعساء في دولة العمال والفلاحين، هم العمال والفلاحين والكادحين والفقراء، الذين هُم حُماة الوطن، وأعطوا للوطن حتى دمائهم ودماء أبنائهم، وما زالوا، ولا ينالهم منه إلا فتات الفتات.. بكل أسف ما يشعر به الجميع أنه باتت عندنا طبقة أبناء سِتَّات وطبقة أبناء جواري، أو طبقة أسياد وطبقة عبيد.. طبقة “براهما” هي فوق الجميع وطبقة “شودر” مهمتها خدمة الطبقة الأولى.. هكذا كانت طبقات الهندوس .. رابع عشر: كان وزير التنمية الإدارية السابق يقول ان اقتصاد سورية كله بيد مائة شخص!. وكان يطالب علنا بتعليق المشانق للقضاء على ظاهرة الفساد.. يا ترى كيف لدولةٍ مازالت ترفع شعار الاشتراكية بين شعاراتها أن يتمركز اقتصادها بيد مائة شخص؟. ولماذا المُعارض يستحق الإعدام والفاسد لا يستحق الإعدام؟. خامس عشر: للأسف الشديد الفساد في سورية بات ثقافة دولة ومجتمع، ومكافحته باتت عسيرة جدا جدا ما لم يتم الضرب بقوّة على أهل الفساد السابقين واللاحقين مهما كبُر أحدهم، وتحسين الظروف المعيشية للناس وخاصة الطبقات الفقيرة والكادحة وذات الدخل المحدود بحيث يرتقي الجميع إلى مستوى من الحياة يضمن لهم ولعائلاتهم حياة كريمة ولائقة بالإنسان، وما لم يسود القضاء العادل والنزيه والمستقل، ويُصبِح القانون فوق الجميع وتسود دولة المؤسسات والمعايير والمؤهلات وتكافؤ الفرص والعدالة وتنتهي ثقافة المزارِع والمحسوبيات والشخصنات والواسطات والتنفيعات والمحاصصات ومحاباة الأهل والأصحاب والأقارب، ويتمُّ فرض ضرائب تصاعدية على التجار وأصحاب رؤوس الأموال تتوازى مع مرابحهم وأموالهم ، وأهمُّ من كل ذلك ما لم تتغير كل الآلية والطريقة والأسلوب والنهج الذي تُدارُ به الدولة، والطريقة التي يتمُّ فيها إسناد المناصب.. فهذه الآلية والطريقة لا يمكن أن تُنتج إلا الفساد.. وإلا فإن كل مخططات مكافحة الفساد لا تفيد بشيء.. وما أكثرها منذ خمس وأربعين عاما دون جدوى..بل كلما كان يزداد الحديث عن مكافحة الفساد كلما كان يزداد الفساد!.. سادس عشر: أقل ما يمكن، وكمقدمة في مكافحة الفساد، وفي ظل القيادة الحالية ذاتها، وكنوع من الإصلاح في دائرة الحُكم نفسهِ، إعادة الانتخابات الحرة داخل حزب البعث من القاعدة وحتى القمة.. وكذلك في كافة المنظمات والنقابات..وحتى لعضوية البرلمان، ودون تدخُّل من أية جهة.. والتوقف نهائيا عن نهجْ التعيين المعهود، بِقرارات مُسبَقة.. القرارات لا تخلق قيادات ولا كوادر، ولا ممثلين حقيقيين للشعب وإنما تخلق انتهازيين ومنتفعين ومنافقين.. القيادات والنواب والكوادر يخلقهم نضالهم الطويل بين أبناء الشعب وملاصقتهم لهموم أبناء الشعب وعيشهِم بينهم ومعهم وليس فوقهم أو بعيدا عنهم، ووقوفهم في وجه الفاسدين والمُحتكرين والمهربين وضد كل أشكال الخلل والسلبيات والتجاوزات والممارسات الهدّامة وضد محاباة المدعومين وتمييزهم في الإستيراد أو المشاريع المُربِحة جدا.. وكذلك رفعِهم الصوت عاليا دفاعا عن الفقراء والكادحين والمستضعفين، ونضالهم لأجل خلق دولة القانون والمؤسسات والمعايير والعدالة وتكافؤ الفرص.. الخ .. هكذا تُصنع القيادات، إنها تَصعدُ من بين الجماهير بعد ثقة الجماهير بها(ونحن نتحدث عن جماهير متجانسة في مناطق سيادة الدولة وكلها موالية) وليس من خلال التعيين بقرارات معروفة خلفياتها ودوافعها، تأتي بشخصٍ ليس له أي تاريخ نضالي في حزب البعث وفجأة تراه في أعلى الهرم الحزبي (في اللجنة المركزية مثلا) أو في قيادة الفرقة الحزبية ويجتمِع ببعثيين لا يصلح إلا من تلامذتهم.. نَهجْ التعيين كانت له آثاره السلبيىة الكبيرة في الوطن حيث هَمّش خيرة وأصدق وأجرأ وأوفَى أبناء الوطن لصالح نوعيات ضعيفة وصامِتة همُّها مصالحها (مع بعض الاستثناءات بالتأكيد).. عدا عن أنه جعلَ الجميع يتوددون لأصحاب القرار وليس للشعب، لأن أصحاب القرار هم من يأتون بهم وليس الشعب.. سابع عشر: أثرياء الحرب الجُدد الذين جمعوا الثروات بكل أشكال الفساد وصَلَت إلى حد تهريب الأسلحة المتنوعة، إضافة إلى تهريب المحروقات والمواد التموينية، إلى المجموعات المسلحة، والخطف مقابل ملايين للفدية، وهُم معروفون في كل منطقة، هؤلاء هل ستشملهم الإستراتيجية الجديدة لمكافحة الفساد وسوف يُحاسَبون؟. وإن لم تشملهم فكيف ستصدِّق الناس أن الفساد سيُحارَب؟. ثامن عشر: ازدواجية المعايير في الدولة، والحُكم على أي شخصٍ من خلال تقرير كيدي وكاذب، وانعدام كل أشكال الشفافية ، بحيث لا يعرف الإنسان ما هو ذنبه ولماذا حُورِب، ولا يُمنح فرصة على الإطلاق للدفاع عن نفسه وتفنيد الحقيقة، وبالمقابل إغماض العين عن المرتكبين الفعليين، بل من انحدر سلوكه لمستوى العَمالَة (ولدي الأمثلة والبراهين) أليس كل هذا فسادا؟. وهل ستلحظ الخطة الجديدة هذه المسائل؟. تاسع عشر: لا شك أن هناك مسؤولين في هذه الدولة يتمتعون بالضمير الحي، ومنهم من أعرفه جيدا منذ أيام الجامعة، وقد لا يكونون في الصف الأول بالدولة (ونتمنى أن ينتقلوا للصف الأول) ولكن يبقون أفرادا، إلا أنهم موجودون، غير أنّ بضعة وردات لا تصنع بستانا .. أؤكِّد مجددا أن الفساد ليس فقط السرقة أو الرشوة.. هناك مئات الأشكال للفساد وما أشرتُ إليه ليس سوى القليل منها.. فهل ستلحظ إستراتيجية مكافحة الفساد الجديدة كل هذه المسائل؟.. عسى وعلَّ، وإلا ستبقى حلقة في سلسلة فاشلة من مساعي مكافحة الفساد.. ألف تحية لكل من يعمل بضميرٍ وأخلاقٍ ونزاهةٍ وشرفٍ وأمانةٍ وإخلاصٍ ووفاءٍ وصِدقٍ وتفانٍ وتواضُعٍ لأجل هذا الوطن. (ولا أعرف كم واحد ستصيبه هذه التحية غير الذين أعرفهم).. وكل التحية والتمنيات الصادقة لسورية الحبيبة أُم الجميع .. كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق