آخر الأخبار
كتابات

نعش لكل مواطن… عقلية الحاكم العربي والسلطة واوهام المواطنة.. السودان والجزائر مثالان

  • نعش لكل مواطن… عقلية الحاكم العربي والسلطة واوهام المواطنة.. السودان والجزائر مثالان
تاريخ النشر : Thu, 14 Mar 2019 20:08:21 | عدد المشاهدات: 67

اسيا العتروس اثارت تصريحات وزيرة الصحة بالنيابة سنية بالشيخ في اعقاب فاجعة الرضع الذين توفوا في ظروف مريبة في احد اكبر مستشفيات العاصمة التونسية جدلا لا نخاله يتوقف قريبا , و هي التي اندفعت خلال الندوة الصحفية الى القول بأن رئيس الحكومة امهلها شهرا للعثور عن بديل للعلب الكرتونية او نعوش الملائكة التي ضاعفت صدمة التونسيين . اذ و بدل اعتماد خطاب جريئ يلتزم بضمان عدم تكرار المأساة و بالقطع نهائيا مع ثقافة الافلات من العقاب وسياسة الهروب الى الامام بتشكيل اللجان و مراكمة التحقيقات , جاءت تصريحات الوزيرة بالنيابة و هي الدكتورة القادمة من القطاع و الخبيرة بعلله و امراضه الكثيرة تكريسا لسياسة تطويق الازمات و امتصاص الغضب الشعبي و تأكيدا لعقلية أبعد ما تكون عن الاستعداد لتحمل المسؤولية …توشك تونس ان تحطم الارقام القياسية بشأن قائمة التحقيقات التي سبق للحكومات المتعاقبة الاعلان عنها بعد كل أزمة أو مصاب و التي لم يكتب لنتائجها ان ترى النور او تحمل طرفا المسؤولية او تعيد للمظلومين حقا مسلوبا .. العقلية العربية والسلطة مسألة على درجة من التعقيد و ربما تحتاج للكثير من البحث و الاجتهاد و التحليل من جانب علماء الاجتماع في العالم العربي, فالعقلية العربية سواء المتحررة و الحداثية منها أو المتصلبة والغارقة في تطرفها غير متصالحة مع ذاتها عندما يتعلق الامر بالسلطة اذ وبرغم كل الماسي التي تسجل يوميا في العالم العربي في علاقة بالقرارات السياسية الفاشلة فانه نادرا ما يسجل اعتراف واقرار بالخطء يتلوه تنازل طوعي عن السلطة و قبول بمبدا التقييم و المحاسبة …و الامر لا نخاله حكرا على بلادنا حيث نادرا ما نسجل تخلي مسؤول او وزير او مدير او نائب عن منصبه وامتيازاته في حال حصول ازمة او كارثة …حتى وقت قريب كان الاعتقاد أن الزعيم السوداني سوار الذهب يظل الاسم العربي الاكثر تداولا الذي تنازل عن السلطة طواعية ..و لكن الحقيقة أن قبل سوار الذهب في السودان كان شكري قوتلى الرئيس السوري الذي سيلقب بأول مواطن عربي يتنازل عن السلطة لصالح مشروع الوحدة بين مصر وسوريا لصالح الزعيم الراحل عبد الناصر .. لسنا في اطار النبش في أحداث التاريخ ولكننا في اطار محاولة فهم خصوصيات العقلية العربية في علاقة بالسلطة , حيث نادرا ما يسجل انسحاب مسؤول سياسي أو زعيم عن طواعية أو خارج اطار الانقلاب العسكري أو القتل أو الانقلاب ..وقد تكرر المشهد طوال السنوات الاخيرة من تونس بعد هروب بن علي بعد نحو ربع قرن من الحكم وسقوط مبارك في مصر ومقتل القذافي في ليبيا وعبد الله صالح في اليمن و من يدري الى أين ستتطور الاحداث في السودان , أما في الجزائر فان الشارع الجزائري يبدو حتى الان على درجة من الوعي في التمسك بحقه في اختيار قادته دون السماح باختراق البلاد …الواقع ايضا أن عقلية الحاكم العربي وان كانت عقلية مغرمة باحداث التاريخ فانها ابعد ما تكون عن الاستفادة من دروس التاريخ ..و من هنا فان المشهد في الدول التي تعيش على وقع تحولات متسارعة تظل مفتوحة على كل السيناريوهات و الاحتمالات … -مواطنون لا رعايا تواتر المصائب والماسي في العالم العربي وكأن القدر يستكثر على من كتب لهم الانتماء لامة العرب أن يرتقوا الى مرتبة البشر لدى الحكام ويدركوا معنى المواطنة فعلا وممارسة لا قولا وشعارا ..نقول هذا الكلام ونحن نعيش على وقع الصدمات المتتالية التي لا تتوقف ..وبعد فاجعة الاحد عشر رضيعا , وربما كانوا اكثر, في أحد المستشفيات التونسية التي كانت وحتى وقت قريب مفخرة القطاع الصحي في بلادنا وأحد أهم انجازات دولة الاستقلال يبدو أن مسلسل المهانة والاذلال ليس قريبا من نهايته بعد الكلام غير المسؤول لوزيرة الصحة بالنيابة التي وبدل أن تعد بعدم تكرار المأساة وعدت بالبحث عن حل بديل للصناديق الورقية التي تستعمل نعوشا للمواليد الجدد بما يعكس العقلية الغارقة في الافلاس التي تحكم المسؤول في العالم العربي والتي لا تستثني وللاسف بلادنا التي تعيش تجربة انتقالية ديموقراطية لم تتخلص بعد من عديد الشوائب التي تدفع بها في كل مرة الى الوراء لتذكرنا أن تغيير العقليات قد يكون الاعقد في مختلف التجارب الديموقراطية .. واذا كانت حكومتنا المأثورة تعدنا بتوفير نعش يضمن كرامة كل مواطن , فان السياط والجلد عقاب مضمون للنساء في السودان ممن يجاهرن بالتظاهر ضد نظام البشير الذي لا يرى لنفسه بديلا بعد ثلاثة عقود من الحكم المطلق في بلد ارضه حبلى بالخيرات و الكنوز و شعبه يعاني المجاعة و الفقر و التشرد .. اخر المهانات القادمة الينا من ارض السودان الحكم بالسجن والجلد لمواطنات سودانيات بسبب المشاركة في المظاهرات الاحتجاجية المستمرة في هذا البلد منذ أسابيع رفضا لنظام يتمسك بالسلطة منذ أكثر من ثلاثين سنة رغم النتائج الكارثية التي يعيش على وقعها السودان منذ ثلاثة عقود حتى انتهى به الامر الى الانقسام بين سودان شمالي مسلم و سودان جنوبي مسيحي في استفتاء كان منذ البداية ثمن بقاء الرئيس السوداني في السلطة … عشرون جلدة والسجن شهرا بسبب المشاركة في المظاهرات الاحتجاجية .. يحدث ذلك في بلد سوار الذهب الضابط السوداني الراحل الذي يعتبر أول من تنازل طوعا عن السلطة بعد أن أطاح بحكم جعفر نميري في 1969سنة والتزم لاحقا بوعده تنظيم انتخابات رئاسية وسلم السلطة إلى المدنيين… بقية الحكاية معلومة اذ لم يكن للخطوة التي أقدم عليها سوار الذهب خطوات لاحقة تسمح بمواصلة التجربة التي ستنهار سريعا وتجعل السودان مسرحا للصراعات والحروب والفتن حتى أنه لا يكاد يخرج من فتنة حتى يسقط في أخرى, ولا يكاد يطفى نيران حرب حتى تتأجج أخرى ليسير بثبات نحو التدمير والتفكيك حتى بلغ درجة التقسيم … من التجارب التي لم يكتب لها الاستمرار في مجال التداول السلمي على السلطة أيضا والتي سبقت سوار الذهب في السودان تلك التي ارتبطت بشكري القوتلي أول رئيس لسوريا بعد استقلالها والذي سيلقب باول مواطن عربي, وهو من أعلن قيام أول وحدة في تاريخ العرب الحديث بتوحيد سوريا ومصر أوما عرف بالجمهورية العربية المتحدة , وتنازل الرئيس السوري شكري القوتلي الذي كان مؤمنا بمشروع عروبي مشترك عن الرئاسة لصالح الزعيم عبد الناصر و التي لم يكتب لها النجاح و الاستمرار لعدة أسباب لعلها غياب القناعة بجدوى تلك الوحدة التي ستختفي سريعا وسيموت القوتلي في صمت بعد هزيمة 1967 و لن يعرف مصير مذكراته التي كتبها عن تلك الفترة فقد اختفت و لم يعثر عليها أبدا .. نعم , لا نزال ونحن في القرن الواحد والعشرين نتطلع الى مفهوم حقيقي للمواطنة فلا نجد له موقع في عالم ان لم يمت الاطفال فيه بسبب الحرب و القصف و التشرد و الجوع فانهم سيموتون حتما بسبب موت الضمير الانساني و الاهمال و الامبالاة و فساد الحكام و غياب ثقافة المسائلة و المسؤولية … و في موقع اخر فان نصيب المرأة المتمردة على السائد و المألوف من أحكام الظلم والفساد و الاستبداد هو الجلد وسلب الحرية كما في زمن الجاهلية .. صحيح أنه لم يتم التنفيذ في النساء السودانيات التسع المدانات الى حين الاستئناف لنقض الحكم ..ولكن تبقى المهانة سيد المشهد لعقلية الحاكم العربي وهي عقلية معادية للتغير رافضة للتداول السلمي على السلطة التي لا تكون الا أبدية.. حكاية الحاكم العربي والسلطة مسألة غريبة ولا تخلو من الحسابات المشينة فقلة هم الذين قبلوا التنازل عن السلطة واثروا التناوب السلمي والتغيير الديموقراطي والاحتكام للصندوق …وحتى لا نسقط في تزييف الحقائق نقول ان تونس تبقى حتى الان وبرغم كل الاخفاقات وكل الماسي وكل الكبوات المرتبطة بالعجز الاقتصادي والانهيار الاجتماعي و الخيبات المتتالية التجربة الديموقراطية الوحيدة الى جانب لبنان التي احتكمت لسلطة الانتخابات الديموقراطية التي توشك أن تتحول الى لعنة بعد ان غابت في بلادنا المشاريع الوطنية لتحقيق العدالة الاجتماعية و محاربة الفساد و التهريب و المهربين مجرد شعار لكسب المعركة الانتخابية و تغليب منطق عقلية الغنيمة من اجل السلطة … لسنا في باب المفاضلة بين الانظمة السائدة ولكننا في اطار متابعة ما يشهد الكثير من الدول العربي من الماسي المرتبطة بالسلطة المطلقة …من النادران نرصد خبر تنازل حاكم عربي عن السلطة طوعا بعد أن طال به المرض او استبد به العجز أو بعد أن اعلن مواطنيه رفضهم له.. كاتبة تونسية